السعادة

Publié le par Mohammed Nadhir Salem

السعادة هي جنة الأحلام التي ينشدها كل البشر. من الفيلسوف في قمة تفكيره وتجريده. إلي العامي في قاع سذاجته وبساطته. من الملك في قصره المشيد. إلي الصعلوك في كوخه الصغير. ولا نحسب أحداً يبحث عن الشقاء لنفسه. أو يرضي بتعاستها. وكثرة المال ليست هي السعادة. ولا العنصر الأول في تحقيقها. بل ربما كانت كثرة المال أحيانا وبالاً علي صاحبها في الدنيا قبل الآخرة. لذا قال الله في شأن قوم من المنافقين: "فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا" - التوبة: 55 - والعذاب هنا هو المشقة. والنصب والألم والهم والسقم. فهو عذاب دنيوي حاضر. علي نحو ما ورد في الحديث: "السفر قطعة من العذاب" وهذا ما نشاهده بأعيننا في كل من جعل المال والدنيا أكبر همه. ومبلغ علمه. ومنتهي أمله. فهو دائماً معذب النفس. متعب القلب. مثقل الروح. لايغنيه قليل. ولا يشبعه كثير. وفي الحديث الذي رواه أنس عن النبي صلي الله عليه وسلم تصويراً لهذه النفسية المعذبة فقال: "من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه. وجمع له شمله. وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه. وفرق شمله. ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له". ومن أبلغ العذاب في الدنيا كما قال ابن القيم تشتيت الشمل وتفريق القلب. وكون الفقر نصب عينيه لا يفارقه ولا سكرة عشاق الدنيا. بحبها لاستغاثوا من هذا العذاب. علي أن أكثرهم لايزال يشكو ويصرخ منه. ومن أنواع العذاب. عذاب القلب والبدن بتحمل أنكاد الدنيا ومحاربة أهلها إياه. ومناساة معاداتهم. كما قال بعض السلف: "من أحب الدنيا فليوطن نفسه علي تحمل المصائب" ومحب الدنيا لا ينفك عن ثلاث: هم لازم. وتعب دائم. وحسرة لاتنقضي. وذلك ان محبها لاينال منها شيئاً إلا طمحت نفسه إلي ما فوقه كما في الحديث: "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغي لهما ثالثاً". وقد مثل عيسي ابن مريم عليه السلام محب الدنيا بشارب الخمر. كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً. حقيقة إن الأولاد زهرة الحياة. وزينة الدنيا. ولكن كم من أولاد جروا علي آبائهم الويل. وجزوهم بالعقوق والكفران بدل البر والإحسان. بل كم من آباء ذاقوا حتفهم علي يد أولادهم طمعاً في ثرواتهم. أو لوقوفهم في سبيل شهواتهم. وكم رأينا في الحياة صوراً غريبة. وسمعنا أحاديث أغرب عن عقوق الأبناء وتعاسة الآباء. وهذا ما جعل الآباء ما برحوا علي مر العصور. ينشدون شعرهم حنقاً من جحود أبنائهم. السعادة إذاً ليست في وفرة المال. ولا سطوة الجاه ولا كثرة الولد. ولا نيل المنفعة ولا في العلم المادي. السعادة شيء معنوي لا يري بالعين ولا يقاس بالكم. ولا تحتويه الخزائن. ولا يشتري بالدينار. أو الجنيه أو الروبل أو الدولار. السعادة شيء يشعر به بين جوانحه.. صفاء نفس وطمأنينة قلب. وانشراح صدر. وراحة ضمير. السعادة شيء ينبع من داخل الإنسان ولا يستورد من خارجه. حدثوا ان زوجاً غاضبا قال لزوجته متوعداً: لأشقينك. فقالت الزوجة في هدوء لا تستطيع أن تشقيني. كما لا تملك أن تسعدني. فقال الزوج في حنق: وكيف لا أستطيع؟ فقالت الزوجة في ثقة لو كانت السعادة في راتب لقطعته عني. أو زينة من الحلي والحلل لحرمتني منها. ولكنها في شيء لا تملكه أنت ولا الناس أجمعون! فال الزوج في دهشة: وما هو؟ فقالت الزوجة في يقين: اني أجد سعادتي في إيماني. وإيماني في قلبي. وقلبي لا سلطان لأحد عليه غير ربي! هذه هي السعادة الحقة. السعادة التي لا يملك بشر أن يعطيها. ولا يملك أن ينتزعها ممن أوتيها. السعادة التي شعر بنشوتها أحد المؤمنين الصالحين فقال: اننا نعيش في سعادة لو علم بها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف. وقال آخر وهو ثمل بتلك اللذة الروحية التي تغمر جوانبه: انه لتمر عليَّ ساعات أقول فيها: لو كان أهل الجنة في مثل ما أنا فيه الآن لكانوا إذاً في عيش طيب! والذين رزقوا هذه النعمة يسخرون من الأحداث وان برقت ورعدت. ويبتسمون للحياة وان هي كشرت عن نابها. ويفلسفون الألم. فإذا هو يستحيل عندهم إلي نعمة تستحق الشكر. علي حين هو عند غيرهم مصيبة تستوجب الصراخ والشكوي. كأنما عندهم غدد روحية خاصة. مهمتها أن تفرز مادة معينة تتحول بها كوارث الحياة إلي نعم. وهناك القدر المادي اللازم لتحقيق السعادة ولا نجحد أن للجانب المادي مكاناً في تحقيق السعادة. كيف وقد قال رسول الإسلام: "من سعادة ابن آدم: المرأة الصالحة. والمسكن الصالح. والمركب الصالح". بيد أنه ليس المكان الأول ولا الأفسح. والمدار فيه علي الكيف لا علي الكم. فحسب الإنسان أن يسلم من المنغصات المادية التي يضيق بها الصدر. مثل: المرأة السوء. والمسكن السوء. وأن يمنح الأمن والعافية. وييسر له القوت في غير حرج. ولا إعنات. وما أصدق وأروع الحديث النبوي: "من أصبح آمناً في سربه. معافي في بدنه. عنده قوت يومه. فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها". وإذا كانت السعادة شجرة منبتها النفس البشرية. والقلب الإنساني. فإن الإيمان بالله وبالدار الآخرة هو ماؤها وغذاؤها. وهواؤها وضياؤها. لقد فجر الإيمان في قلب الإنسان ينابيع للسعادة. لا يمكن أن تغيض. ولا أن تتحقق السعادة بغيرها. تلك هي ينابيع السكينة. والأمن. والأمل. والرضا. والحب

Publicité
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article